عبد الرحمن السهيلي
237
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
فهو مصدر بمعنى التبدد ، أي : ذوي بدد . فإن قيل : فهل أجيبت فيهم دعوة خبيب ، والدعوة على تلك الحال من مثل ذلك العبد مستجابة ؟ قلنا : أصابت منهم من سبق في علم الله أن يموت كافراً ، ومن أسلم منهم فلم يعنه خبيب ولا قصده بدعائه ، ومن قتل منهم كافراً بعد هذه الدعوة ، فإنما قتلوا بدداً غير معسكرين ولا مجتمعين كاجتماعهم في أحد ، وقبل ذلك في بدر ، وإن كانت الخندق بعد قصة خبيب فقد قتل منهم آحاد فيها متبددون ، ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع ولا معسكر غزوا فيه ، فنفذت الدعوة على صورتها وفيمن أراد خبيب رحمه الله وحاشا له أن يكره إيمانهم وإسلامهم . ابن كهيبة في شعر حسان فصل : وذكر أشعار حسان في خبيب وأصحابه ، وليس فيهم معنى خفي ، ولا لفظ غريب وحشي ، فيحتاج إلى تفسيره ، ولكن في بعضها : * بني كهيبة أن الحرب قد لقحت * جعل كهيبة كأنه اسم علم لأمهم ، وهذا كما يقال : بني ضوظرى وبني الغبراء وبني درزة قال الشاعر : * أولاد درزة أسلموك وطاروا * وهذا كله اسم لمن يسب ، وعبارة عن السفلة من الناس ، وكهيبة من الكهبة ، وهي الغبرة ، وهذا كما قالوا : بني الغبراء ، وأكثر أشعار حسان في هذه القصة ، قال فيها من هذيل ، لأنهم إخوة القارة ، والمشاركون لهم في الغدر بخبيب وأصحابه ، وهذيل وخزيمة أبناء مدركة بن إلياس وعضل والقارة من بني خزيمة . لغويات : وقوله : وابن لطارق ، وابن دثنة منهم ، حذف التنوين كما تقدم في قوله : شلت يدا وحشي من قاتل ، ولو أنه حين حذف التنوين نصب ، وجعله كالاسم الذي لا ينصرف ، وهو في موضع الخفض مفتوح ، لكان وجهاً وقياساً صحيحاً ، لأن الخفض تابع التنوين ، فإذا زال التنوين زال الخفض ، لئلا يلتبس بالمضاف إلى ضمير المتكلم ، لأن ضمير المتكلم ، وإن كان ياءً فقد يحذف ، ويكتفي بالكسرة منه ، وزوال التنوين في أكثر ما لا ينصرف إنما هو لاستغناء الاسم عنه ، إذ هو علامة الانفصال عن الإضافة ، فكل اسم لا يتوهم فيه الإضافة لا يحتاج إلى التنوين ، لكنه إذا لم ينون لم يخفض ، لما ذكرناه من التباسه بالمضاف إلى المتكلم ، وقد تقدم في أشعار أحد : كنار أبي حباحب والظبينا بفتح الباء من حباحب في موضع الخفض ، وكان حق كل علم ألا ينون ؛ لأنه مستغن عن الإضافة كما لم ينون جميع أنواع المعارف ، ولكنه نون ما نون منه لسر الذي بيناه في أسرار ما لا ينصرف من الأسماء ، وقد أملينا في ذلك جزءاً ، ولكن الخفض في طارق ووحشي مروي ، ووجهه أنه لما كان ضرورة شعر ، ولم يكثر في كلامهم لم يتبعوا الخفض فيه التنوين إذ لا يتوهم إضافته إلى المتكلم ، إذ لا يقع إلا نادراً في شعر ، فاللبس فيه بعيد . اشتقاق اسم خبيب وهذيل : وقوله : وابن البكير إمامهم وخبيب ، أردف حرف الروي بياء مفتوح ما قبلها ، وقد تقدم القول فيه مرتين . وخبيب في اللغة تصغير خب ، وهو الماكر من الرجال الخداع ، ويجوز أن يكون تصغير خاب من الخبيب ، فيكون من باب تصغير الترخيم ، وهو الذي ينبني على حذف الزوائد ، وأما هذيل فقالوا فيه : إنه مصغر تصغير الترخيم ، لأنه من هوذل الرجل ببوله إذا باعد به ، فكأنه تصغير مهوذل على حذف الزوائد ، ويجوز أن يكون تصغير هذلول ، وهو التل الصغير من الرمل على تصغير الترخيم أيضاً .